كامل مصطفى الشيبي

29

شرح ديوان الحلاج

ينبغي عليه - إذا فشل في تحقيق فكرته - أن يأتمّ بالمسيح الذي بذل دمه قربانا للّه وغسل ذنوب البشر بسيل من حشاشته الإنسانية ليكشف عن أعينهم حجاب الجسد ويجلو عن أذهانهم وأفهامهم ما كانوا فيه من جهل وغفلة ووهم . ويبدو أن فلسفة الحلّاج في هذا البرنامج كانت تتمثل في أنّ موته في حال إخفاقه سيكون سببا في ثقة الناس به وتقديرهم لتضحيته وإيمانهم بفكرته على نحو ما حصل مع السيد المسيح ، وأن حياته الروحية بعد فناء الجسد ستخلص من أسار الزمان والمكان وتتيح له أن يراقب الناس من عل وقد بدأوا يتفهمونه شيئا فشيئا ويدركون أنه لم يخدعهم وإنما جاءهم بفكرة سبقت زمانهم ولم تتهيأ لها الظروف المناسبة . وهذا مصداق قوله : على دين الصليب يكون موتي * ولا البطحا أريد ولا المدينة « 1 »

--> - حكمه متى شاء . ومن المعاني التي يسوقها القرآن في التعبير عن هذه الفكرة قول المشركين : ( ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى ) ( الزمر 39 : 3 ) . ومما ينبغي أن يشار إليه هنا الأثر الذي خلفه هذا الرأي في الصوفية ومنهم جلال الدين الرومي ( محمد البلخي ، 604 - 672 ه / 1207 - 75 م ) . الذي طبق نظرية الشرّ النسبي - كما يمكن أن يعبر عن هذه الفكرة هنا - على عبد الرحمن بن ملجم قاتل علي بن أبي طالب شيخ الأولياء عند الصوفية فقال في ابن ملجم ما ترجمته : ليس في مقدوري أن أمسّ شعرة منك * لأن القلم قد خطّ لك ما فعلت فلا تحزن ، فإني أنا الشفيع لك * فأنا سيّد نفسي لا عبد بدني ( مطاعن الصوفية لمحمد رفيع بن شفيع التبريزي ، ت بعد 1221 ه / 1806 م ، مخطوط جامعة كمبردج رقم 16 . Browne D ، ورقة 60 ب ) . ( 1 ) انظر الديوان قافية النون والشروح في الهامش . وفوق هذا ذيل ماسينيون على هذا المعنى بنص استفاده من لطائف المنن للشعراني ( مصر 1321 ه ، 2 / 84 ) يقول فيه أبو العباس المرسي : « وما نقل عنه يصح تأويله ، نحو قوله : على دين الصليب يكون موتي ، ومراده أنه يموت على دين نفسه فإنه الصليب ، وكأنه قال : أنا أموت على دين الإسلام وأشار إلى أنه يموت مصلوبا ، وكذلك كان » . وإذا كان هذا هو المقصود فإن الصوفية قد تنبؤوا بقتل الحلّاج مصلوبا أيضا . ( انظر : الفرق بين الفرق للبغدادي ، مصر 1947 ، ص 157 - 8 ، التبصير في الدين للأسفرايني ، مصر 1940 م ، ص 77 رسالة الغفران : رسالة ابن القارح ، ط 3 ، ص 36 ، وهذه النبوءة تنسب إلى الجنيد مرة ، إلى الشبلي أخرى ، وتتمثل في عبارة تقول : أيّ خشبة تفسد وهو معنى عبر عنه أبو يوسف القاضي : يعقوب بن إبراهيم الإنصاري ( 113 - 182 ه / 731 - 798 م ) بقوله لبشر بن عياث المريسي ، المتكلم القائل بخلق -